الرئيسية 10 كتاب المقالات 10 الإرهابُ.. كائنٌ أم كيان؟

الإرهابُ.. كائنٌ أم كيان؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإرهابُ.. كائنٌ أم كيان؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم 

الكاتب / عبداللطيف الضويحي

من الخطأ الاعتقاد بإمكانية مكافحة الإرهاب كما لو أنه الخطر الوحيد في الحياة والمجتمع. ولا يمكن التعامل مع الإرهاب كما لو أن الحياة والمجتمع جنة لولا الإرهاب، وأن الناس يعيشون في نعيم لولا آفة الإرهاب. لأن الحقيقة هو أن الإرهاب ما هو إلا رأس الجبل الجليدي الذي يخفي وراءه كمية هائلة من تراكمات وترسبات كثيرة رأسية وأفقية عزلت هذا الإنسان عمن حوله وأوجدت برزخا من عدم الثقة بينه وبين مجتمعه وبينه وبين ذاته، حيث تشكلت مع الوقت فجوة معرفية وفكرية وتفاقمت ومن ثم تعمقت بينه وبين أقرب الناس له ممن يعيش معهم ويعيشون معه.

الإرهاب ليس فقاعة أفرزتها ظروف التهميش الاجتماعي أو السياسي فحسب، وليس الإرهاب طفرة نفسية عاطفية نتجت عن الخيبات النفسية العاطفية والإحباطات والتي عصفت ربما بصاحبها وجعلته ينأى بنفسه فحسب، وليس الإرهاب حالة إدمان على نوع أو أنواع من المخدرات فحسب، وليس الإرهاب ردة فعل أصولية دينية تم إنتاجها وربما تحفيزها من خلال كتب التراث ومصادره فحسب، وليس الإرهاب حالة عوز وفقر ماليا واقتصاديا مؤقتا أو دائما فحسب. وليس الإرهاب مؤامرة تلعبها أجهزة استخبارية لتوظيفها في خلق البلبلة وحالة عدم استقرار للدول أو لخلق دول فاشلة يسهل التحكم بها والسيطرة عليها فحسب. إنما الإرهاب كل ما سبق بِنِسَبٍ مختلفة من كل العوامل النفسية والتعليمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتآمرية. ولا يكفي أحد هذه العوامل السابقة لوحدها لصناعة الإرهاب. فمن الضروري توافر أكثر من عنصر ليكون الإرهاب إرهابا على الأقل من المنظور الإعلامي.

من المهم القول بأن الإرهاب أصبح أقل كلفة في الحروب الذكية من تحريك الجيوش وأقل خسائر في الأرواح وفي العتاد والممتلكات، وأصبح أحد أدوات الحروب الذكية التي تعتمد على التقنية الحديثة والبيانات المحددة في تحديد الأهداف النوعية دون حاجة للكم البشري.

الموجة الإرهابية الأخيرة التي ضربت عددا من المدن في المملكة وخارج المملكة والتي كان أهمها التفجير في المدينة المنورة توحي بأن هذه التفجيرات ليست معزولة بعضها عن بعض وأنها وثيقة الصلة بعضها ببعض وأن وراءها طرفا واحدا في الغالب سواء من حيث اختيار الأهداف والمستهدفين ومن حيث أن بعض الأهداف تم اختيارها واستهدافها لرمزيتها وليس لإلحاق أذى بها أو بمن فيها أو بمرتاديها. كثير من تلك التفجيرات ليست مهمة بذاتها، لكن أهميتها تكمن فيما يليها من قرارات على صعيد التطورات الميدانية والسياسية في الدول التي تشهد أحداثا مثل سوريا والعراق وما يمكن أن يتم توظيفه للضغط وتحقيق المكاسب السياسية أو الميدانية مع المجموعات المتقاتلة في مناطق النزاع.

من المهم أن نعرف أن الغموض في الإرهاب هو في كونه يمتد من الفرد إلى المنظمة الإرهابية إلى الأجهزة الاستخبارية التي توظفه أو تستغله وتستفيد منه لتحقيق مكاسب على صعيد سياسي أو ميداني عسكري. فالإرهاب كما هو معروف يمتد من حالة الإرهابي النفسية والعاطفية إلى النظم والمؤسسات التعليمية ويمتد من المجتمعات الهشة والمخترقة من قبل عملاء المنظمات الإرهابية وأجهزة الاستخبارات المختلفة إلى مصالح الدول في تلك الدولة أو غيرها. من الممكن أن يكون الإرهاب كائنا بشريا متوحشا كما أنه من الممكن أن يكون كيانا رسميا يتخفى خلف مسميات وعناوين منظمات ويتخذ من الإرهاب وسيلة يتغطى خلفها ويختفي لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية أو الاقتصادية بالحد الأدنى من الخسائر المادية واللوجستية.

الإرهاب لبعض الدول عمل سياسي ولبعضها عمل عسكري ولبعضها عمل اقتصادي ولبعضها صناعة دول جديدة وإلغاء دول قائمة. كما أن الإرهاب للبعض من تلك الدول أداة ولبعضها الآخر غاية اقتصادية أو أيديولوجية، لا يمكن أن تستغني عنه تلك الدول حيث أصبح من أهم وأكبر مشروعات المرتزقة في العصر الحديث. فمهما حاولنا أن نضع يدنا على الطريق المؤدي لفهم هذه الظاهرة، يبقى الإرهاب مغارة مظلمة فيها تجارة المخدرات وتجارة الأيديولوجيا وتجارة السلاح وتجارة المشروعات السياسية والعسكرية العابرة للدول والقارات.

 

 

عن الكاتب/ عبداللطيف الضويحى

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القيادة وإدارة الأزمات

شافي بن حمود الدوسري إن إدراك القيادات التربوية لإدارة الأزمات يساعد على احتوائها ومعالجتها وتقليل ...