الرئيسية 10 كتاب المقالات 10 الاتحاد الأوروبي والديموغرافيا

الاتحاد الأوروبي والديموغرافيا

 

 

 

 

 

 

الاتحاد الأوروبي والديموغرافيا

 

 

 

 

 

 

 

بقلــم

الكاتب/ أ.د رشود الخريف

يترنح الاتحاد الأوروبي تحت وطأة ظروف صعبة يمر بها منذ الأزمة المالية في 2008 وما نتج عنها من معاناة بعض الدول من لهيبها الذي رفع ديونها، خاصة اليونان وإيطاليا وإسبانيا، ما اضطر الاتحاد الأوروبي للتدخل للمساعدة من أجل الحد من تفاقم المشكلة وتوسع تداعياتها، ولكن هذه المساعي لم يحالفها النجاح الكامل، فلا تزال تلك الدول إلى هذا اليوم تعاني ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع الديون، وفوق ذلك ارتفعت الصيحات والخلافات بعد تدفق آلاف اللاجئين نتيجة الاضطرابات والحروب في سورية على وجه التحديد.

وبعيدا عن الأزمات المالية، يعاني الاتحاد الأوروبي عموما انخفاض معدلات الخصوبة، ما يهدد التركيبة السكانية وينذر بشيخوخة القوى العاملة خصوصا وشيخوخة المجتمعات عموما، ويقرع ناقوس التداعيات الاقتصادية الجسيمة، ولحل هذه المعضلة الديموغرافية على المديين القصير والمتوسط لا بد من الرضوخ والقبول بأحد خيارين، فإما احتمالية انخفاض النمو الاقتصادي أو فتح باب الهجرة الفتية من الدول النامية التي تأتي من الدول الإسلامية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو جنوب قارة آسيا، لتدب الفتوة في شرايين القارة العجوز.

ولإيضاح الوضع الديموغرافي لدول الاتحاد الأوروبي، لا توجد دولة أوروبية يصل بها معدل الخصوبة الكلي (متوسط عدد المواليد للمرأة) إلى مستوى الإحلال الذي يضمن عدم تناقص السكان على المدى الطويل، إلا دولة واحدة (كوسوفو) فقط، بل إن معظم الدول الأقل إنجابا على المستوى العالمي تقع في أوروبا. فمعدل الخصوبة الكلي لا يتجاوز (1.3) في البوسنة، والبرتغال، واليونان، وبولندا ورومانيا وإسبانيا، ولا يتجاوز (1.5) في إيطاليا وألمانيا مقارنة بالمعدل العالمي البالغ (2.5). وقد تمكنت كل بريطانيا وفرنسا من الاقتراب من مستوى الإحلال (2.1)، وهو المستوى الذي يمكن السكان أن يستمروا دون تناقص في أعدادهم، لأن كل أبوين يقومان بإحلال طفلين محلهما. لذلك من المتوقع ألا تشهد كثير من الدول نموا في أعداد سكانها، بل إن عدد سكان بعضها مثل ألمانيا سينكمش 81 مليون نسمة في الوقت الحاضر إلى 76 مليون نسمة في عام 2050، وسيتناقص عدد سكان إسبانيا من 45 إلى 44 مليون نسمة، واليونان من 11 إلى أقل من عشرة ملايين نسمة خلال تلك الفترة.

ونتيجة للانخفاض في معدلات الإنجاب، ارتفعت نسب كبار السن، ومعها ازدادت أعباء رعايتهم الصحية، فقد سجلت بعض دول أوروبا أعلى النسب على المستوى العالمي، إذ وصلت نسبة كبار السن إلى 22 في المائة في إيطاليا، وإلى 21 في المائة في ألمانيا، وإلى 18 في المائة في كل من فرنسا وإسبانيا، مقارنة بنحو 6 في المائة فقط في الدول النامية و8 في المائة على المستوى العالمي. وهذه الإحصاءات تدل على احتمالية انكماش وشيخوخة متوقعة في القوى العاملة. وبناء عليه، لا توجد سوى ثلاثة خيارات، أحلاها صعب، الأول تشجيع النساء على زيادة الإنجاب، وهذا في منتهى الصعوبة ويتطلب زمنا طويلا، كون ذلك يعد تغييرا في السلوك الإنساني، والثاني زيادة التحول التقني المعلوماتي لتعويض النقص في القوى العاملة، والثالث فتح باب الهجرة لضخ دماء شابة وفتية للاقتصاد.

وبناء عليه يتضح أن الديموغرافيا أسهمت في توليد ضغط متواصل على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ما جعل الاتحاد يعاني خطورة التفكك، وقد كانت الديموغرافيا ستعوض انخفاض المواليد من خلال تدفق المهاجرين واللاجئين، لولا تزايد أعدادهم واستمرار الأزمة الاقتصادية ما أدى إلى زيادة الأعباء على الدول الكبيرة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وما نتج عن ذلك من تزايد في التعصب ضد هؤلاء المهاجرين، إلى جانب عقدة “الإسلاموفوبيا”، وهذه كلها عوامل تدعو لتفضيل كل دولة للفردية من أجل حماية نفسها، وزيادة رفاهية مواطنيها، والحفاظ على تركيبتها السكانية من الناحية العرقية والدينية، وحول استمرار الاتحاد، يبدو أن الأمر سيعتمد على مبدأ التكلفة والعائد، وأعتقد أن الاتحاد سيكون أفضل خيار للدول الأوروبية في ضوء تزايد التكتلات والقوى الدولية.

 

 

 

 

عن أ.د رشود محمد الخريف

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القيادة وإدارة الأزمات

شافي بن حمود الدوسري إن إدراك القيادات التربوية لإدارة الأزمات يساعد على احتوائها ومعالجتها وتقليل ...