الرئيسية 10 كتاب المقالات 10 مدرسة ابن عباس بالدلم .. تاريخ وهوية وذاكرة مجتمع

مدرسة ابن عباس بالدلم .. تاريخ وهوية وذاكرة مجتمع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مدرسة ابن عباس بالدلم .. تاريخ وهوية وذاكرة مجتمع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم

الكاتب / د.هلال بن محمد العسكر

تكمن أهمية الحفاظ على التراث الثقافي في بعده الحضاري، وحفظه لذاكرة وهوية الإنسان والمجتمع.؛ ذلك أن الإنسان مكوّن من مادة وروح..وبما أن التراث الثقافي يحتوي على جانبين: الملموس ممّا أنتجه السابقون من مبانٍ، وأدوات ومدن وملابس، وغيرها ممّا هو مادي، وغير الملموس من معتقدات، وعادات، ولغات، وتقاليد وغيرها؛ فإن هذيْن العنصريْن يكوّنان عصب الحضارة، فالحفاظ عليهما يعني الحفاظ على ما أنتجه الإنسان في مجتمع ما ككينونة وكهوية فردية ومجتمعية..فالتراث يمثل الذاكرة الحية للفرد والمجتمع، ويمثل بالتالي الهوية  التي يتعرف بها الناس على المجتمع وثقافة أفراده، فمثلا مدرسة أبن عباس بالدلم، شهدت نشأة مجتمع الدلم الثقافية والاجتماعية منذ بدايات مرحلة التأسيس للمملكة المدنية الحديثة، وبالتالي فهي معلم حضاري وتاريخي تمثل هوية الدلم وأهلها، كما تعتبر تراثا ذا قيمة ثقافية واجتماعية ومصدرا تربويا، وعلميا، وفنيا، وثقافيا، واجتماعيًا، وهدمها لأي غرض كان، يعني فقدان جزء مهم من الذاكرة التاريخية للدلم وأبنائها، وطمسا لمعالم تنمية تاريخها شاهد على اهتمام الدولة بهذه المنطقة، كما تعني افتقارا اقتصاديا وثقافيا مهمّا في التنمية المحلية .

إن مبنى مدرسة ابن عباس بالدلم، صنف من المباني التراثية فئة (أ) من قبل الهيئة المختصة وأعطي (265) درجة؛ وهو أعلى تصنيف للمباني التراثية. والمبنى صحيح إنه مسلح، ولكنه أول مبنى مسلح تشهده الدلم عبر تاريخها، كما أن المدرسة تقع في قلب المدينة وبجوار ما تبقى من سورها العظيم، وهي مدرسة عريقة، علم فيها أساتذة أفاضل وأشرف عليها علماء أجلاء وتخرج فيها المئات من المفكرين والمثقفين والقضاة والأطباء والمهندسين والقادة المدنيين والعسكريين وغيرهم من المسؤولين الذين شغلوا كل المناصب في كل مرافق الدولة في طول البلاد وعرضها، وتربطهم بها علاقة العلم والذكريات والتاريخ وانجازات الإباء والأجداد. ولذا فإن الحرص على بقاء هذا الصرح شامخا، هدفه وطني، لخدمة المصلحة العامة لمدينة الدلم؛ مدينة التاريخ والأصالة، وليس موجها ضد أحد لا من قريب ولا من بعيد.

إن لكل مجتمع تراث يعتز به ويفتخر، ويعتبره الجذر الذي يمتد في الماضي السحيق ليؤرخ ماضيه وأمجاده العظيمة، ويعتبر الحاضر امتدادا للماضي، ويشكل السمة المميزة له عن غيره من المجتمعات، وإن حماية هذا التراث لن تتحقق إذا لم تكن ضمْن نهضة ثقافية حديثة شاملة، مرفقة بوعي لمكوّنات هذا التراث الثقافي، والنظر إليه لا كماضٍ غاب وانقضى، بل هو حاضرٌ دوْمًا وحيٌّ، ومحفّزٌ في الاندماج بفعالية في الحاضر، والإطلالة بثقة على المستقبل.

صحيح أن للتراث أعداء يسعون لهدمه بمعاول متنوعة وأساليب وحجج مختلفة، وذلك إما جهلا بقيمته وأهميته أو بقصد الطمس لهوية أبنائه، والهجمة على التراث ليست جديدة وتظهر في كل زمان ومكان، ولكن إذا وجد من يتصدى لها تموت في مهدها بإذن الله، لأن أعداء التراث لا يعلمون عنه شيا؛ إنهم فقط ينظرون إليه من زاوية واحدة (قديم)غير مدركين أن التراث هوية وتاريخ وذاكرة تستمد منه الأجيال التفكير والإبداع والوفاء والتقدير لمن سبقوهم.

المصيبة الكبرى، أن أعداء تراثنا (هداهم الله) لم يأتون عبر الحدود، وإنما هم منا وفينا ومن جلدتنا؛ وذلك اعتقادا منهم، أن القديم يعوق التنمية والتطور، ويحول دون العصرنة، وهو اعتقاد خاطئ وغير صحيح، لأن الحاضر ما هو إلا امتداد لذاك الماضي المجيد، ومن لا ماضي له لا حاضر له.

ختاما، نؤكد على أن دورنا ينتهي عند تبيان موقف الغيورين على تاريخهم وتراثهم حيال الجهود التي تبذل لهدم المبنى التاريخي لمدرسة ابن عباس وتوضيح أهمية هذا المبنى للجهات المختصة، وما تقرره الدولة حينئذ، ممثلة في هيئة السياحة والتراث الوطني بصفتها الجهة الرسمية المعنية بالأمر، سيكون محل التقدير والاحترام ومرضيا للجميع، لثقتنا في حرص الدولة على تنمية السياحة، والحفاظ على التراث الوطني والهوية التاريخية للمجتمع.

 

عن الدكتور / هلال محمد العسكر

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القيادة وإدارة الأزمات

شافي بن حمود الدوسري إن إدراك القيادات التربوية لإدارة الأزمات يساعد على احتوائها ومعالجتها وتقليل ...