الرئيسية 10 المتابعات 10 24 ساعة 10 نصيحة قانونية : الوفاء بالعقود

نصيحة قانونية : الوفاء بالعقود

 

 نصيحة قانونية .

الوفاء بالعقود .

 

    تحدثنا في الحلقة السابقة عن توثيق العقود وأن الشارع الحكيم دعا إلى توثيق العقود تجنباً لحدوث ما قد يكون بين الطرفين من التجاحد أو النسيان أو موت أحد المتعاقدين أو غير ذلك من الأمور التي تطرأ فيما بعد ، وتكون سبباً في الاختلاف . 

     بيد أن ذلك ليس وحده مقصود الشرع ، فتوثيق العقد ليس غاية ولكنه وسيلة ، وهناك أمر بين المتعاقدين والمتعاملين بصفة عامة هو أعظم وأولى بالنظر إليه والالتزام به من مجرد توثيق العقد ، فتوثيق العقود تحدث كثيراً بين الناس ولكنه برغم توثيق العقد فقد يحدث الاختلاف بين المتعاقدين في نقطة معينة يحاول طرف أن يستغلها ويفسرها لصالحه ، فالعقود مهما كانت دقيقة العبارة محكمة الصياغة واضحة المقاصد والمعاني إلا أن ذلك لا يحول دون وجود ثغرة في العقد تؤدي إلى الاختلاف ، ولا يكون ذلك إلا إذا حاول أحد الطرفين التنصل من التزام معين فيلجأ إلى تفسير تلك الجزئية لصالحه وبما يؤدي إلى خدمة الغرض الذي يسعى إليه .  

     ومن نظر إلى مقاصد الشريعة ومصالح العباد التي تتحقق بها الحياة الكريمة والتآلف والود والحب بينهم يجد أن من أعظم ما يقوم عليه التعامل بينهم ويحقق لهم الأخوة هو مبدا الوفاء بالالتزامات ، أياً كانت تلك الالتزامات مالية أو بدنية أو غيرها فهذا مبدأ عظيم ، وخلق كريم يتجلى حينما يكون الإنسان ملتزماً بما تعاقد عليه أو وعد به أو أوفى بالتزام معين بغض النظر عن مدى توفر المصلحة لذلك الإنسان من غيره ، لان الوفاء بشيء معين قد يؤدي إلى التعارض مع مصالح الإنسان نفسه ، ولهذا فقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالعقد وبالعهد في غير موضع من القرآن ففي الوفاء بالعقد قال الله سبحانه وتعالى : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ]  وفي الوفاء بالعهد قال عز وجلّ : [ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً . ] ففي الوفاء بالعهد والعقد يتحقق بين الناس التعامل الراقي وتتحقق لهم الأخوة ويتلاشى الحقد والحسد والضغينة ، والعكس كذلك فخيانة العهد والتنصل من العقد يشكل عقبة في حسن التعامل بين الناس ، ويجعل كثير من الناس يتحرجون في الإقدام على التعامل مع من عرف بعدم الوفاء بالعد والعقد .   

     ومن المعلوم أن أحكام الشريعة الإسلامية كلها أتت من أجل تحقيق مصالح العباد والبلاد والأمور التي تحقق مصالحهم وتترجح عمّا سواها فإن الشريعة تقر ذلك وتدعو إليه . وقد اوجب القران الكريم إظهار حقوق الناس والوفاء بها ليتحقق بينهم الإنصاف في التعامل ، ولا شك أن الوفاء بالعهد والعقد دليل على حسن تربية الفرد ، وصفاء عقيدته وقوتها ، ويشير بجلاء إلى تمتعه بأخلاق رفيعة ، ووازع ديني قوي وحقيقي يكون دافعاً  إلى الوفاء بهذه الالتزامات التي الزم بها نفسه . والوفاء بالعقد والعهد يكشف عن الأثر العظيم للوازع الديني عند المرء في مراقبة الله سبحانه وتعالى ، ويشير إلى وجود والخوف والخشية من سوء العاقبة والعقاب الإلهي ، ويبعث على الطمع في مرضات الله سبحانه وتعالى . فيقوم ذلك الإنسان بتنفيذ أوامره بدافع داخلي ، وباعث ذاتي ، فالوفاء صفة نبيلة مخلق سام نبيل ، وتؤدي إلى إيصال الحقوق إلى أهلها وتأمين مبادئ العدالة دون الحاجة غلى التقاضي والتنازع .

    ومن خلال هذه الوسيلة فإنني لا أجد بداً من إسداء النصيحة لكل مسلم بضرورة الوفاء بالعقد والعهد وكل التزام يوجب الوفاء به ، ففي الحياة الزوجية لا يستقم الحال بين الزوجين على حسن العشرة والتعامل وتحقيق المودة والرحمة دون أن يتحقق مبدأ الوفاء ، وبين المتعاملين كلهم على كافة أنواع العقود والعهود لا تتحقق  تبرئة الذمة إلا بالوفاء بكامل الالتزامات التي نصت عليها العقود ، ولهذا ففي حالة عدم وجود عقد بين الطرفين مكتوب فقد أمر الله عز وجل بالوفاء وأداء الأمانة إلى صاحب الحق مما يشير إلى النهي عن استغلال كل ثغرة في التعامل أو عدم وجود العقد المكتوب ، فقال الله جل جلاله : [فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]

    وعلى المسلم أن لا يفرح لوجود ثغرة في عقد أو غفلة من متعاقد فيستغلها للتنصل من التزام قد التزم به ، فعلى كل إنسان شهود يوم القيامة لن يستطيع الافلات منهم ، واعظم الشهود هو الله سبحانه وتعالى الذي يعلم السرّ وأخفى وخاصة أن كثير منّا حين يختم العقد فيقول والله خير الشاهدين ، فهل بعد ذلك يمكن التنصل من التزام جعل الله عز وجل شاهداً عليه .

عن المستشار/ شهوان الزهراني

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمي

((عمي)) بقلم / علي بن عويض بن هادي الأزوري وقرأتُ رواياتٍ في صمـته وحكايا من ...