الرئيسية 10 المتابعات 10 24 ساعة 10 استمارة رقم 6 للكاتبة عفاف خلف

استمارة رقم 6 للكاتبة عفاف خلف

 

 

بقلم

الكاتبة / عفاف خلف 

أرادوا بتر أصابعها، تلك التي تجيد عجين الحروف وتحويلها فطائر للفقراء، كان هلال العيد حكراً على الأغنياء، ولم يرغبوا بأن يرى الفقراء هلال العيد، لا في كسرة خبر، ولا حتى في كسرة حرف، وكانت عنيدة، لم تؤمن يوماً بأن النجوم أبعد من أن تطال، أو أن الشمس تمارس العنجهية – كما حاولوا إفهامها – فتشرق لتضيء لفئةٍ معينة دون غيرها، فقد كانت الجحور في أقاصي بقاع العتمة تكّذب خبثهم دائماً، وكانت الغيوم في قاموسها حاملةً لمواعيد الثورة والدم، لا البترودولار كما هو في عرفهم.

أتاها بمسوح الراهب مقتبساً كل الآيات، يا مريم البتول، ما ضر الله لو خلعتِ أجنحة التبتل أمام المرآة، لن نرتكب الإثم إذا ما راودتنا الانعكاسات، ولن ارتكب جرم الصلاة لتمثالٍ شمعي يضئ زوايا الغرفة، فقط سأحتفظ بذكرى لشعاعٍ انطلق من جعبة الغيب سهماً، فاخترق جدران وحدتي، وانطبع في الوجد صورة. دعي عنك سرابيل التخلف، وانزعي ليل العادات والتقاليد الموروثة التي تورثنا القعود، تجاوزي، تجاوزي يا مريم، في رحلة الولادة علينا شق الجدار لنعلن انصهارنا وميلادنا الجديد.

ابتسمت مريم، فقد كانت تحفظ سراً عذر الأيقونات.

أتاها الحّبر الأعظم، راودها سراً وعلناً، شعراً ونثراً، نصاً ورسماً، لم يتبق في المعجم مفردةً للعشق إلا وعلقها على الصدر تعوبذة، كانت أصابع مخيلته تستبيح كل الأشياء، لا تبقِ مقدساً ولا تذر، تنتهك اللحم، العظم، الفكر، ويعرّيها سطراً سطراً.

مراراً حاول خنق صراخها بوسادات الريش الناعم، والغزل الفاضح، وبرفع وتيرة تآوهاته لذة، ممارساً جلدها بسياط رغبته، ساحقاً تمنّعها، كان يوشوش سبحته " يتمنعن وهن الراغبات "، وقد بلغ به الكبر بهتاناً أن يقول لرعاياه: أنا من علمّها أصول الفقه، وتدوير الحرف، تلك الجاحدة الكافرة مريم، تمثالٌ من تمر، ولن يأتي الليل إلا وقد تحولت لخمرٍ وزبيب، يستسمح هذا الحبر التوبة.

وكان صوت حرفها يدين دائماً بأصابع تخترق الصدر نزيفاً، بأن النشر سلاحها في وجه التجار والمتبتلين كذباً، ولم يكن لديها شيء تخشى منه، فحياتها تتحدى نور الشمس، فليس ثمة بقعٍ معتمة تصمها بالظلام.

كان الحبر بارعاً في حياكة ثوبَ أكاذيبٍ يناسب مقاس العقول الضيقة – وقليلٌ من البهار الحار لإضرام شهية الذائقة الصفراء لا يضير أحداً- وكعنكبوتٍ نشيط نسج ما شاء من خيوطِ حريرٍ ناعمة، تقيدها حرفاً وروحاً، فكراً وصوتاً.وكان سغب ذوي الرقاب الملتيةِ حقداً لا يريم، واللعبة أضحت إدماناً، ولفرط ما مارسها الحبر تحولت في عقم حرفه ليقين.

لسذاجتها ظنت أن خرزات السبحة ستفر يوماً لتعترف بما لها وما عليها، لم تتعلم أن الكرات الصغيرة تدور في فلك مداراتٍ لا ترغب من ربقتها انعتاق.

هل كانت أصابعها تمتهن القتل؟!

كانوا يرشون الحقد بدمائها، وكانت الضحايا تستفز وجه السماء، ولم يردعهم لا وازع من حق، ولا رادع من دين، ولم تؤرق نومهم عظام الأبرياء، فقط أعمتهم بصيرة الحقد، فعضوا النواجذ على الضمير، ورسموها كما شاء لهم الحبر غانيةً، تدخل الكنيسة لتصطاد خطيئة.ويدمدمون، يخللّون لحاهم بأصابع تقطر مراودةً، ويهمهون " ما بالها لا تقطّع أصابعها " فقد آن أوان التكميم منذ قرون!.

لم تعلمهم زليخة أنها كانت تمتحن الصدق في اختبارٍ للحياة، فقط وعّوا الغواية، أما تضرجات الذات الخاطئة، وفضيلة الإخلاص المضني، وقدر الأنبياء، فقد فاضت لأواني أخرى، تناسل فوق شهدها الشمع فكانت رحيقاً مختوم، ولم تفتض. تقعّر العالم، أرادت لمرآتها كشفاً، واجهتها قطعة لحم، تكاثر عليها الذباب، ولم تسعفها مراياهم ولو للحظة، لتعيد لكوم اللحم ملامحه.

الآن حصحص الحق، كلها المرايا تمارس الخطيئة، وحدها مرآتها الأصدق.

و….وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين قال: " بين الحق والباطل خمسة أصابع – ووضع راحة يده على صفحة خده، واضعاً إبهامه على أذنه، وخنصره على عينه – أن أقول سمعتُ ورأيتُ "

لمريم أذنين وفم، ولكن أصابعها كانت الفريسة الأصعب دائماً.

وستبقى طريدة.

 

عن كاتب

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هواوي” وstc  تناقشان آفاق التعليم الرقمي خلال قمة التعليم الافتراضية

  روافد العربية/ وسيلة محمود الحلبي    استضافت stc، الممكن الرقمي الأول في المنطقة بالتعاون ...