الرئيسية 10 المتابعات 10 24 ساعة 10 تيو انغلوبولوس (1935 ــ 2012): السينما تفقد تحديقتها

تيو انغلوبولوس (1935 ــ 2012): السينما تفقد تحديقتها

 

 

 

 

روافــد ــ فن : 

جسّد تيو أنغلوبولوس (1935 ــ 2012) بمفرده، سينما بلد بأكمله، محتكراً الأدوار، متأبطاً الأفكار الكبيرة والرؤى الطالعة من عمق الوجود، معتنقاً الايديولوجيات الانسانية وكاتباً الحاضر من عمق التاريخ. انه واحد من آخر معلّمي سينما تأملية، اقرب الى انشودة ورسالة عشق لا متناهية للحياة منها الى التأويل. هي، أي سينماه، لا تفعل الا اعادة الاعتبار الى الزمن في قصّ الحكايات، زمن غير موجود الا في سينما هذا الكبير. الجمال عنده، كان دائم الانبعاث من الضوء والتراب واللحظة المتوهجة. منبعه القلب ولسانه النظرة. نظرة رجل لديه ما يكفي من الوقت ليراقب ويفهم. في تحديقته، مئة عام، وربما أكثر، من السينما!





كان السينمائي الكبير، الذي تركنا مساء الثلثاء بعدما صدمته دراجة نارية، معلّماً بكل ما في الكلمة من معانٍ، وحظي بتقدير غير قابل للذوبان في النقد الذي طال شخصه وذاته المتضخمة، القلقة على المصير الآدمي، المحكوم بالنسيان والنكران. لكن، ككل خلاّق لامس العبقرية في أعماله، فكره باقٍ على سطح مادة اسمها سيللولويد، وإن تحول جسده الى تراب. من العبث ربما، أن نرثي هذا الرجل الغاضب بكلمة رحيل، ومخرجنا كان شديد الايمان، بأن الفواصل بين ماض، حاضر ومستقبل، معدومة تماماً؛ ساقطة أمام وحدة الزمن التي مجّدها فيلماً بعد فيلم. ألم يطلق على إحدى روائعه عنوان "الأبدية ويوم"؟ 


لا يمكن الحديث عن أنغلوبولوس من دون ان تستدرجنا المشاهد التي تفد الى الذاكرة: تلك اللقطات التي تستطرد في الاندفاع الى الأمام، باتت علامة من علاماته. لقطات مشبعة بالحنين والزمن والفنّ، حيث ليس الشعر والشاعرية ما ينبعث من دواخلها فقط، بل هناك روحٌ وصدمة مع المكان، يتجمدان أمامنا كجليد غير قابل للانكسار. من هنا، تبدأ التحديقة، تحديقة قامت عليها، كل لقطة من لقطات انغلوبولوس، وهي بدورها لقطات، تبدلت مع الزمن، لتنتقل من كونها سجناً للشخصيات الى كونها حضناً لمشوراها الأزليّ. المساحات الزمنية "الميتة"، الواقعة بين حدثين والتي تُحذَف عادة على طاولة المونتاج، كانت تتحول عند أنغلوبولوس لحظات وجدانية كبرى. محطات موسيقية تنشد الخلود وتبعث الدفء في الأفئدة.   


شأنه شأن السينمائيين الذين تفتك بهم الهواجس، دارت أفلامه في الفلك عينه دائماً. ككل مخرج عظيم، من كوبريك الى بونويل فويلز وتاركوفسكي، لم يصنع انغلوبولوس الا فيلماً واحداً وحيداً، تنويعات للحنٍ يتيم: فيلم الطرق التي لا نهاية لها، والمقاهي المنكوبة، والساحات الفارغة، والشواطئ الحزينة، والأمطار التي ترمي نقمة السماء على الناس. ودائماً الرمادي، والمزيد من الرمادي، ولا شيء سوى الرمادي. يطلّ بدفئه من خلف البياض. كمن يقول: اذا كانت الجحيم هي الآخر، فماذا عنا؟ كان انغلوبولوس يملك سرّ اعادة خلق الحياة من جديد، لكن بمعانٍ أخرى، وبتحديقة ذات لعنة شيطانية وبركة آلهية، لا يرقى اليها أيّ سينمائي مسك كاميرا يوماً.


لم يعد سراً على أحد شغف انغلوبولوس بـ"عوليس" لأيليوت الذي كان يرغب في نقلها الى الشاشة. مشروع كان يحمله في أعماقه مثلما حمل كوبريك "نابوليون". معظم الكبار تنتهي حياتهم قبل اقفال فصلها الأكثر شوقاً وطموحاً. في المرحلة الأخيرة من حياته، وبعد فيلمين عن "آمال القرن العشرين وخيباته"، كان باشر العمل على "البحر الآخر" (عن الأزمة الاقتصادية في اليونان) من دون أن يعرف ان موعده مع سائق دراجة نارية في ثلثاء مشؤوم كان سيقرر مصيره. كان الفيلم ليكون امتداداً لعمله الأخير "غبار الزمن" الذي "مرّ" في مهرجان برلين، قبل اربع سنوات، في نوع من لامبالاة. شريطه الجديد كان يريده لسان حال عالمنا اليوم. عالم تنعدم فيه المرجعيات الأخلاقية التي حرّكت جيله. عالم يضيق فيه مجال الحنين الى أزمنة غابرة شكلت الوعي الأول بالنسبة الى سينمائيي جيله. 


درس انغلوبولوس المحاماة، لكن لم تكن تلك الا "غرفة انتظار" بالنسبة اليه. كانت السينما هاجسه الأوحد مذ اكتشف فيلم "ملائكة بأوجه قذرة" لمايكل كرتيز، بحيث ان صراخ البطل "لا أريد أن اموت" رافقه طويلاً. فرحل الى باريس في مطلع الستينات ليدرس السينما، بعد فترة انكباب على دراسات فلسفية. التحق هناك بالمعهد الأهم ("ايديك" الذي تحول الى "فيميس")، لكن، سرعان ما وجد نفسه مطروداً منه بعدما شاكس احد الأساتذة حول نظرية متعلقة بالـ"ميز ان سين". بيد انه ما جعله يدرك حقيقة السينما ويلمس جوهرها، هو ارتياده السينماتيك التي أسسها هنري لانغلوا، وكانت المعبد الحقيقي للتعلم والمعاينة واكتشاف كنوز السينما. كان انغلوبولوس يركض من سينما الى أخرى، يشتغل حيناً عامل تنظيفات في مطار أورلي وحيناً بوّاب المكتبة السينمائية. أفلامه الثلاثة الاولى أنجزت في عهد الاستبداد والديكتاتورية، بين 1967 و1974، وحملت البيان التأسيسي لما ستكون عليه سينماه في العقود المقبلة: نقد سياسي لليونان، انطلاقاً من أفلام تحمل أشياء من الميثولوجيا الاغريقية. عندما صوّر "يوم 36" لم يكن ممكناً تناول الديكتاتورية الا مواربة، عبر اللجوء الى المسكوت عنه، والاختزال، وترتيب الخطاب خارج الكادر.


كان انغلوبولوس يتوحد مع ابطاله. سواء أكان هناك وحدة حال معهم أم لم يكن. لذلك، كان يحلو له تكرار عبارة فلوبير: "مدام بوفاري هو أنا!". اعتبر الاخراج ولادة ثانية للنص، هذا الشيء المكتوب الذي كان يلتزمه الى حدود معينة، لكن مع ترك باب المخيلة مشرعاً على كل مستجد ومثير يراكمان الاحتمالات الجديدة. بهذا كله، استطاع أن يصنع سينما تعبر الحدود الجغرافية، فبات معروفاً كسينمائي يوناني في الخارج وكسينمائي من العالم عند مواطنيه اليونانيين. 


ذهبت سينماه الى ما لا نهاية، قافزة فوق أسوار الدال والمدلول، عابثة بمفردات المونتاج و"الحقل/ الحقل المقابل". غرقت تحديقته في الحلم البهي الذي رسمه لنفسه، وفي الاحباط البديع الذي اتى به من جده أرسطو ونظرية الأخير القائمة على ان الحزن منبع الخلق. عبر أزمنة ليصالح فيها البشر، بعضهم مع البعض الآخر، وليراكم الخيبات فوق أطنان من السوداوية التي تقمصت أشكالاً كثيرة، أبرزها الترافيلينغ الدائرية والأمامية. لم تكن كل هذه الحركات، كما يُقال، مدعاة نبل وترف سينمائي. تحدى الديكتاتورية في "الممثلون الجوالون" وعالج النفي والاغتراب في "رحلة الى ثيتر" والانقلاع في "عثرات اللقلق"، دائماً مع تلك النظرة الايمانية في الناس، وذلك السعي الى ايجاد ما يجمعهم وليس ما يفرقهم، مصالحاً في حركة ترافيلينغ واحدة الذاكرة والمكان. في "الممثلون الجوالون" (1975)، ملحمة تاريخية مضادة في أربع ساعات، تطرق الى صفحات غير مشرفة من التاريخ اليوناني، متناولاً الحرب الأهلية، فالاحتلال والفاشية. بعدما كان قد سلّم الرقابة سيناريواً زائفاً، تمكن من تصويره في عهد الكولونيلات.


لم يكفّ انغلوبولوس عن التكلم عن بلده اليونان، هذا البلد الذي بقي على هامش أوروبا، مع ذلك كان يدّعي أنه في امكانه أن يعيش ويعمل في أي مكان. من هنا تأتي فكرة الحدود في افلامه. الرحيل يقابله لقاء. السفر، المساحات، النفي، الاغتراب، كلها هواجس لها روابط عميقة بسيرته. "طوال عمري، شعرتُ أنني منفي في بلادي"، يقول في إحدى المقابلات. أما عودة الأب الغائب، فصداها عميق في ذاكرته. فمشهد اللقاء بين والده العائد، بعدما كان يُعتقد أنه مات خلال الحرب الأهلية، ووالدته، افضى الى مشاهد كثيرة من هذا النوع في أفلامه: في وسط الشارع، كاميرا تخطف الأنفاس، موسيقى ايليني كارايندرو تهتف لها القلوب… مَن غيره أنجز سينما كهذه؟


أفلامه مسكونة باليونان. أرضُ التراجيديات والديموقراطية والفلاسفة. لكن ذاكرتها مزدحمة بالاثم والحروب والمجازر. لعل انغلوبولوس كان أكثر السينمائيين الأوروبيين قدرة على مساءلة التاريخ ومحاسبته انطلاقاً من اقتناعاته اليسارية والنقدية، واستناداً الى واقع بلاده والرغبة العنيدة في فهم ما يجري من حولنا. نمطه الفيلمي حصنٌ منيع أمام الانعزالية، اذ دفع بالسينما الأوروبية الى الذروة، فتجلت في حلتها الابهى. واقع ارتباطه باليونان لم يمنعه من الانفتاح على القارة العجوز التي حملته على الراحات، فحاز "السعفة الذهب" في كانّ، عام 1998، بعدما كان يتوقع نيلها عن "تحديقة عوليس"، عام 1995 (اكتفى بجائزة لجنة التحكيم الكبرى). من ايطاليا وألمانيا وفرنسا أخذ النخبة: مارتشيللو ماستروياني، برونو غانز، جان مورو، ميشال بيكولي. أفلامه ملاحم، قصائد ليس من دون ندوب وجروح، تضع الانسان في قلب الأبدية.

 

 

 

   الاربعاء  :  26 /1 / 2012

 

 

 

عن الكاتبة/ ريماس التميمى

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معرفة نوع الجنين خلال أول أربعون يوماً من الحمل الدكتورة الاستشارية أزهار العضب

    روافد العربية/ وسيلة محمود الحلبي   أعلنت الدكتورة الاستشارية ازهار العضب عن إمكانية ...